زوجان يتخاصمان على الموضوع ذاته منذ سنوات، هو يقول إنها لا تقدّر جهده في العمل، وتتعامل مع تعبه وكأنه أمر مفروغ منه، وهي تقول إنه لا يمنحها وقتاً كافياً، وإن حضوره الجسدي في البيت لا يعني حضوره الحقيقي، الكلمات نفسها، والنبرة نفسها، والأسطوانة المشروخة نفسها، التي يعيدان تشغيلها كل أسبوعين تقريباً، وكل مرة ينتهي الخلاف بالطريقة نفسها، صمت مؤقت، يليه صلح هش، يليه هدوء قصير، ثم تعود الأسطوانة من البداية، وحين تسأل أياً منهما لماذا لم يُحل هذا الموضوع بعد كل هذه السنوات، يهزّ كتفيه ويقول: «ما فيه حل»، وكأن أحداً منهما لا يريد فعلاً أن ينتهي هذا الخلاف إلى الأبد!
قد يبدو هذا غريباً للوهلة الأولى، فمن ذا الذي يرغب في الاستمرار بخلاف يؤلمه، ويستنزف طاقته، ويعكّر حياته اليومية، ولكن، ومع صعوبة الاعتراف بهذا، فإن بعض الخلافات في العلاقات لا تستمر رغم إرادتنا بل بسببها، لأنها تؤدي وظيفة خفية نحتاجها ولا نعرف كيف نحصل عليها بطريقة أخرى!
بعض الأزواج مثلاً يحتاجون الخلاف للحفاظ على مسافة آمنة بينهما دون أن يضطروا للاعتراف بأنهم يخافون من القرب الحقيقي، فالخلاف المتكرر يمنحهم عذراً جاهزاً لعدم التعمق في الارتباط العاطفي، الذي يتطلب كشف النفس على حقيقتها بلا أقنعة ولا دروع، وهذا الكشف مخيف لأنه يعني أن يرى الطرف الآخر كل ما فينا، بما في ذلك الأجزاء التي لا نحبها في أنفسنا، والتي نخفيها حتى عمن نحبهم، بل ولعلنا لأننا نحبهم قد نخفيها عنهم أكثر من أي شخص في العالم!
هنالك وظيفة أخرى يؤديها الخلاف المزمن، وهي ملء الفراغ العاطفي، ففي بعض العلاقات التي فقدت شرارتها وتحولت مع السنين إلى روتين يومي بلا لون ولا طعم، يصبح الخلاف هو الشكل الوحيد المتبقي من التفاعل الحقيقي بين الطرفين، وقد يكون هو اللحظة الوحيدة التي يشعران فيها بأنهما ما زالا يعنيان شيئاً لبعضهما، حتى لو كان هذا الشيء هو الغضب، فحين يتوقفان عن الشجار لا يبقى بينهما ما يتحدثان عنه ولا ما يشعران به تجاه بعضهما، والصمت الطويل الذي يعقب غياب الخلاف قد يكشف حقيقة أثقل من أي شجار، وأصعب من أي كلمة جارحة، وهي أن ما يربطهما ليس حباً ولا كرهاً، بل عادة مريحة لا يعرف أي منهما ماذا سيفعل بحياته من دونها!
الأخطر من ذلك هو حين يصبح الخلاف المتكرر وسيلة للهروب من سؤال أعمق وأكبر، لا يجرؤ أي من الطرفين على طرحه بصوت عالٍ: هل نحن فعلاً نريد أن نكمل معاً؟ فبدلاً من مواجهة هذا السؤال المرعب، والتعامل مع إجابته مهما كانت، يختار الطرفان دون وعي أن يبقيا مشغولين بخلافات سطحية متكررة حول المصروف أو الأولاد أو ترتيب البيت، لأن هذه الخلافات على قسوتها أهون بكثير من التوقف لحظة واحدة والنظر في عيون بعضهما، والسؤال: ما الذي يجمعنا فعلاً غير الخوف من أن نبدأ حياتنا من جديد بعيداً عن الطرف الآخر؟
قد لا تكون كل الخلافات بحاجة إلى حل، وهذه حقيقة قد تبدو صادمة لمن اعتاد أن يرى في كل مشكلة معادلة معقدة تنتظر التفسير، لكن معظم الخلافات تحتاج إلى فهم صادق وعميق، فحين تكتشف ماذا يفعله الخلاف لعلاقتك وما الوظيفة التي يؤديها، تصبح قادراً على اتخاذ قرار واعٍ بدلاً من تكرار الدورة نفسها بلا نهاية، فإما أن تواجه ما تهرب منه، وإما أن تعترف بأنك تحتاج هذا الخلاف، وتتوقف عن التظاهر بأنك تبحث عن حل لخلاف... أنت أول من لا يريد له أن ينتهي!
2/03/2026
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
كلمات.... غيَّرت كل شيء! / العائلة.. أول مدرسة للحب... والكره!
