لو كنت أعرف أن الوقت الذي أضيعه في القلق من أحكام الناس لن يغير شيئًا في حقيقة من أكون...
لو كنت أعرف أن معظم من أخشى انتقادهم مشغولون بقلقهم من انتقاد الآخرين لهم...
لو كنت أعرف أن الحياة أقصر من أن نقضيها نحاول إرضاء من لا يُرضيهم شيء....
لتصرفت بجرأة أكبر وثقة أعمق في قراراتي الشخصية... لو كنت أعرف!
لو كنت أعرف أن الصداقات الحقيقية نادرة كالذهب الخالص، ولا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يحيطون بي، بل بعمق العلاقة وصدق المشاعر، لما أضعت وقتًا ثمينًا في محاولة كسب ود أشخاص لا يستحقون استثماري العاطفي، ولركزت جهدي على تعميق العلاقات القليلة التي تستحق العناية والاهتمام... لو كنت أعرف!
لو كنت أعرف أن النجاح الحقيقي لا يُعرّف بالمناصب أو الألقاب أو حجم الراتب، بل بمدى رضاي عن الطريق الذي اخترته والأثر الإيجابي الذي تركته في حياة الآخرين، لما قضيت سنوات أطارد أهدافًا ظننت أنها ستجلب لي السعادة، فإذا بها تجلب لي الإنهاك والشعور بالفراغ... لو كنت أعرف! لو كنت أعرف أن الأخطاء ليست فشلاً بل مدرسة، وأن كل خطأ يحمل في طياته درسًا لا يمكن تعلمه بأي طريقة أخرى، لما أضعت وقتًا في الندم واللوم، ولتعاملت مع أخطائي كما أتعامل مع معلم صارم حكيم، يعلمني ما لا تستطيع الكتب أو النصائح تعليمه... لو كنت أعرف!
لو كنت أعرف أن الصحة أغلى ما أملك، وأن الجسد أمانة لا تحتمل الإهمال أو التأجيل، لما أضعت سنوات أعامل نفسي وكأنني عقدت صفقة مع الخلود، فآكل ما يضر وأهمل الرياضة وأسهر بلا مبرر، ولعاملت جسدي بالاحترام والعناية التي يستحقها منذ البداية... لو كنت أعرف!
لو كنت أعرف أن المال وسيلة وليس غاية، وأن السعادة لا تُشترى بالأرقام في الحساب المصرفي، بل تُصنع في اللحظات البسيطة والذكريات الجميلة، لما أضعت سنوات أجري وراء أشياء ظننت أنها ستحل مشاكلي، فإذا بها تخلق مشاكل جديدة لم أكن أتوقعه... لو كنت أعرف!
لو كنت أعرف... ولو كنت أعرف... لكنني لو كنت أعرف كل هذا من قبل، لكنت حرمت نفسي من متعة اكتشافه بالتجربة، ولفقدت حق عضوية النادي الإنساني العريق لـ«الذين تعلموا من أخطائهم»، ولو كنت أعرف أن الحكمة تأتي دائمًا متأخرة وأن هذا هو قانونها الأساسي كما لو أنها موظف حكومي لا يصل أبدًا في موعده، وأن الندم على الماضي هو ضريبة النضج التي نجبر جميعًا على دفعها دون خصم أو تقسيط، ولو كنت أعرف أن كل إنسان يجلس في مكان ما يكتب قائمته الخاصة بـ«لو كنت أعرف»، لتصالحت مع حماقاتي السابقة وضحكت عليها بدلاً من أن أعذب نفسي بها، لأنها في النهاية هي ما جعلني الشخص الذي أصبحت عليه اليوم، والذي يكتب هذه الكلمات ويعرف قيمة ما يقول، أو على الأقل يتوهم أنه يعرف...
لو كنت فعل... أعرف!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
خلافات.... لا نريد حلها! / من كتب هذا الهراء؟
