«لا تفرح كثيراً، عشان ما تنصدم»، جملة نسمعها كثيراً في مجتمعاتنا، تُقال بنبرة الحكمة ونكهة الخبرة، كأن الفرح جريمة يجب أن نحذر من ارتكابها، أو كأن السعادة فخ منصوب لنا، وعلينا أن نمشي حولها بحذر شديد!
متى تعلمنا أن نخاف من الفرح؟ ومنذ متى أصبحت السعادة المفاجئة مصدر قلق بدلاً من أن تكون مصدر بهجة؟ كيف أصبحنا نعيش في حالة ترقب دائم للمصيبة المقبلة، كأننا وقّعنا عقداً مع الحياة ينص على أن لكل فرحة ثمناً سندفعه لاحقاً، وكلما كانت الفرحة أكبر، كان الثمن أفدح؟!
كم مرة رأينا أشخاصاً يرفضون الاحتفال بنجاحاتهم، فيخفون فرحتهم، ويستنكرون الضحكة الطويلة، ويقولون بصوت خافت: «الحمد لله، بس ما نبي نفرح زيادة»، كأن الفرح سيستفز القدر، وكأن السعادة الظاهرة ستلفت نظر المصائب المختبئة في الزوايا، فنعيش بمنطق «لا تبين فرحتك للناس»، أو «استر على نعمتك»، أو كما يقول الأشقاء في مصر: «داري على شمعتك تقيد»، وكأن إخفاء السعادة يحميها من الحسد أو من غضب الأقدار!
هذه الفوبيا لها جذور عميقة في ثقافتنا، فقد نشأنا على أمثال شعبية تحذرنا من الفرح مثل «اللي يضحك كثيراً يبكي كثيراً»، و«دوام الحال من المحال»، و«كل شي زايد عن حده ينقلب ضده»، حتى أصبحنا نمارس نوعاً من التشاؤم الوقائي، فنخفض سقف توقعاتنا للسعادة، ونرفع سقف توقعاتنا للألم، لنحمي أنفسنا من خيبات الأمل المحتملة!
ما الذي نخسره حين نخاف من الفرح؟
نخسر اللحظة ذاتها، نخسر طعم السعادة الحقيقي حين نخلطه بطعم القلق، نحوّل كل نعمة إلى نقمة محتملة، وكل نجاح إلى فشل مؤجل، نعيش في ظل المستقبل المجهول بدلاً من أن نعيش في نور الحاضر المشرق.
أتذكر عندما كنت أتابع مباريات كرة القدم صغيراً، كيف كنت أخشى من إبداء الفرحة بتسجيل فريقي لهدف في مرمى الخصم، أحاذر «حوبة» الخصم إن سجل هدف التعادل، أو الفوز، وكيف كنت أكبت الفرحة حتى يطلق الحكم صفارته، وعندها، لم أكن أشعر بالسعادة الغامرة التي يشعر بها الكثير من مشجعي فريقي، ربما لأن الفرحة تم كتمانها لأكثر مما ينبغي!
الغريب أننا في الغالب لا نخاف من الحزن بالطريقة نفسها، إذ نستقبله بترحاب غريب، كأنه ضيف متوقع، نغرق فيه دون خوف من العواقب، لكن الفرح مشبوه وخطر، ويحتاج لألف احتياط...... واحتياط!
في المجتمعات الأخرى، نرى الناس يحتفلون بنجاحاتهم علناً، يشاركون فرحتهم مع العالم دون خوف، بينما نحن نتلفت حولنا قبل أن نبتسم، نخفض أصواتنا حين نضحك، ونقول «ما شاء الله» ألف مرة كأنها دعاء يحمينا من شر الفرح الزائد!
ربما نحتاج لأن نتعلم من جديد كيف نفرح بلا خوف، وكيف نستقبل السعادة بقلب مفتوح، دون أن ننظر خلفنا بقلق أو نفتش في جيوبنا عن المصائب المخبأة، وأن نؤمن أن للحياة لحظات جميلة تستحق أن نعيشها كاملة، دون منغصات القلق والترقب!
الحياة قصيرة يا رفاق، واللحظات الجميلة فيها أقصر، فلماذا نضيعها في الخوف من نهايتها؟ لماذا نحرم أنفسنا من الاستمتاع الكامل بالنجاح خوفاً من فشل محتمل؟ لماذا نعيش في ظل «ماذا لو» بدلاً من أن نعيش في نور «ما هو كائن الآن»؟
لعل الوقت قد حان لنكسر هذه الفوبيا، ولنفرح حين يحين وقت الفرح، ولنحتفل بانتصاراتنا مهما كانت صغيرة، ونعيش اللحظة دون خوف من الغد، فإذا كان للقدر رأي آخر، فسيأتي في وقته، أما الآن، فالفرح حق مشروع، والسعادة نعمة تستحق الحمد والشكر، لا الخوف والترقب!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
لو كنت أعرف! / الوحدة... صديقنا السيئ السمعة!
