سؤال
مرحباً، كنتُ مدمناً على المواد الإباحية والاستمناء عندما كنتُ في العاشرة من عمري تقريباً، دون أن أُدرك إدماني أو حتى أنني أعرف أنه خطأ. لم أتلقَّ أي توجيه من عائلتي سوى دراستي، فقد اقتصر دورهم على إطعامي وتلبية احتياجاتي المادية. لا أذكر أن أحداً أخبرني يوماً من أنا، أو ما يجب أن أؤمن به، أو ما هو الصواب والخطأ.
قادني القدر إلى كتب الدكتور مصطفى محمود في وقت مبكر، فتعلمتُ منه معنى الإيمان في الدين، وأنه رائع وجميل، وأنه معصوم من الخطأ، وما إلى ذلك. لا أستطيع القول إنني اكتسبتُ معرفة حقيقية من قراءة كتبه يُمكنني مناقشتها، ولكن بما أنني كنتُ صغيراً، فقد اكتسبتُ فهماً نفسياً لطبيعة الإيمان والتدين. بعد فترة إدمان شديدة على المواد الإباحية استمرت لعدة أسابيع وأدت إلى تدهورٍ مُريع في جميع جوانب حياتي، وبينما كنتُ لا أزال في المراحل الأولى من المرحلة الثانوية، قررتُ التوبة.
شعرتُ وكأنّ القرار يدًا تسحبني من يدي نحو التوبة والصلاة، دون أيّ جهد واعٍ منّي. حتى ذلك الحين، لم أكن أعلم أنّ المواد الإباحية مُحرّمة، ولم أكن أعرف شيئًا عن الجنس، أو الله، أو الدين، أو أيّ شيء آخر. كان فهمي للعالم مُستمدًّا بالكامل من كتب مصطفى محمود وروايات دوستويفسكي، التي اشتراها أحدهم وتركها لتتراكم عليها الأتربة. كانت جميع معتقداتي مجرّد انطباعات أكثر منها أُطرًا فكرية متماسكة. ثمّ جاءت فترةٌ زاهية من قراءة القرآن، والصلاة الخاشعة، ويقينٍ عميق وسكينةٍ آسرةٍ لكلّ من حولي، وجذبت انتباه حتى الغرباء كلّما التقيتُ بهم.
انقلب كلّ ذلك رأسًا على عقب بسرعةٍ دراماتيكيةٍ ومُذهلةٍ عندما واجهتُ الإلحاد والتشكيك في الأديان في مقطع فيديو لملحد. صُدمتُ بشدّةٍ لدرجة أنّني شعرتُ وكأنّ السماء تنهار عليّ. ومنذ ذلك الحين، وبعد أكثر من عشر سنوات، أعيش في عذابٍ لا ينتهي. انخرطتُ في نقاشاتٍ عديدة عبر الإنترنت مع ملحدين، ربحتُ بعضها وخسرتُ أخرى. استكشفتُ تقريبًا كل مدرسة فكرية، أملًا في الوصول إلى اليقين، ولكن للأسف، لم يُزد بحثي إلا حيرتي. كلما واجهتُ شكًا، كنتُ أستعين بكل ما أملك من موارد - كتب، ومراجع، ومقالات، ومنشورات على الإنترنت - لدحضه، حتى أُنهك تمامًا، لأُقابل بشكٍ آخر.
وتكررت هذه الدوامة حتى قررتُ يومًا ما التوقف عن الخوض في هذه المسائل. أقسمتُ يمينًا مُغلظة ألا أعود إليها أبدًا، إذ لا جدوى من الإيمان بالإلحاد سوى إنكار الواقع منذ نشأته. إذا كان الدماغ نتاجًا للتطور والعشوائية، وهدفه الوحيد هو البقاء، فإن كل ما يُنتجه غير مرغوب فيه بنفس القدر؛ لا يُمكن إثبات صحة أو خطأ أي شيء بشكل قاطع. يصبح الصواب والخطأ متساويين، ولا يبقى سوى المنفعة معيارًا. لذا، لجأتُ إلى دراسة الأديان المقارنة بحثًا عن الدين الحق، أو بالأحرى، للتأكد من صحة ديني.
رافق بحثي إدمانٌ على كتاب "الأباتشي"، كنتُ أقرأه بشغفٍ خلال فترات الاكتئاب والشك، ثم أتخلى عنه في فترات السعي المحموم وراء الحقيقة لأتفرغ للبحث الديني. قد يظن البعض أن بحثي قرّبني من الدين والله، لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. أدمنتُ الكتب والمحاضرات، لكن لم يتغلغل شيءٌ منها في عقلي، الذي كان يشكّك في كل كلمة أقرأها أو أسمعها. كل الشيوخ كاذبون ومخادعون حتى تثبت براءتهم؛ كل رجال الدين محتالون حتى تثبت إدانتهم.
دققتُ وفحصتُ ودرستُ كل ادعاء سمعته، كل كلمة رأيتها، حتى استنفدت قواي تمامًا وأصبتُ بنوبة اكتئاب. توقفتُ عن الأكل والنوم، وفقدتُ أكثر من 12 كيلوغرامًا في أسبوع واحد. قررتُ التوقف حينها، لكن القلق استمر، وما زلتُ أنفر من كل ما هو ديني. الفرق الآن أنني أكره البحث نفسه؛ أكره هذا الهوس المحموم الذي لا يُشفى مهما قرأت. بين الحين والآخر، تراودني فكرة إعادة النظر في معتقداتي واستئناف بحثي، رغم اقتناعي بالإسلام.
يتسلل الشك إليّ لأن كل ما أعرفه عن الأديان الأخرى يأتي إما من أتباعها الذين يرغبون في اعتناقي الإسلام، أو من رجال الدين الذين يريدونني أن أبقى على ديني. بين الجدال والنقاشات المستمرة، أصبحتُ مشوشًا ومرهقًا. أصبح الإدمان رفيقي الوحيد، والنساء هاجسي الوحيد. مررتُ بكل شيء وحدي؛ لا أحد يعرف عني شيئًا سوى ما تفضحه عيناي الغائرتان ووجهي الشاحب. هل ما أمر به بحث طبيعي عن الحقيقة، أم أنني مريض؟ أخشى باستمرار الموت على دين خاطئ، والأسوأ من ذلك، يراودني شعور بأن عائلتي قد تموت غير مؤمنة وتنتهي في الجحيم.
أخشى أن يُعمي كل هذا بصيرتي، فيدفعني إلى اختيار خاطئ هربًا من الصراع الداخلي.
وبالتالي، سأذهب أنا وعائلتي إلى الجحيم. لا أدري، لقد تبلدت مشاعري لدرجة أن الخوف نفسه قد تلاشى.
٨/٣/٢٠٢٦
رد المستشار
صديقي
أهلا وسهلا بك على موقعنا ونرجو أن نكون عونا لك، فما وصفته وتمرّ به أقرب إلى اضطراب نفساني معروف أكثر من كونه رحلة فكرية.
ما لديك هو اضطراب الوسواس القهري بمحتوى فكري (ديني / وجودي).
فالأدلة من كلامك: وجود أفكار اقتحامية قهرية (ماذا لو كان ديني خاطئ؟، ماذا لو متّ على ضلال؟، ماذا لو عائلتي في النار؟).
وجود سلوك قهري للتخفيف من القلق كالبحث المستمر (كتب – مناظرات – مقالات)، ومحاولة "إثبات" كل فكرة، والنقاشات المتكررة مع الآخرين
فقدان السيطرة (أُنهك تمامًا، أكره البحث لكن لا أستطيع التوقف) وهذه هي البصمة الكلاسيكية للوسواس القهري، خصوصًا النوع الديني.....
يصاحب الوسواس قلق وجودي مرضي
الأدلة: انشغال مفرط بأسئلة عن الحقيقة المطلقة، والموت، والمصير بعد الموت. وتضخيم النتائج: سأذهب أنا وعائلتي إلى الجحيم، والتفكير بنمط كل شيء أو لا شيء
وجود أعراض اكتئابية (متوسطة إلى شديدة) لوجود فقدان الشهية والنوم، وفقدان وزن شديد (12 كجم في أسبوع)، والانعزال، تبلّد المشاعر.
يصاحب ما سيق سلوك إدماني تعويضي وهو إدمان المواد الإباحية كوسيلة للهروب من القلق، تجنب التفكير، وتعويض الفراغ العاطفي، فهي آلية هروب من الألم الداخلي.
لو حاولنا نناقش معا العوامل التي شكّلت حالتك، سنجد أنك تملك عقل تحليلي مفرط + حساسية عالية للشك، حيث تميل للتفكير العميق جدًا لكن بدون "فلتر إيقاف"، وهذا يجعلك عرضة للوسواس .
ويتميز نمط التفكير عندك الي الحاجة إلى اليقين المطلق (100%) أو أبيض وأسود فلا تقبل الاحتمال، وتريد إجابة نهائية لا تقبل الشك، وهذا مستحيل في كثير من الأمور مما يدخل العقل في حلقة لا تنتهي.
ويبدو أن لديك خوف مرضي من الخطأ الأخلاقي، فلو أخطأت فهذا كارثي، وهذا يغذي الوسواس الديني بشكل مباشر.
كما يبدو أنك تعرضت في طفولتك إلي إهمال عاطفي واضح (لم يوجّهني أحد، لم يخبرني أحد من أنا) مما أدي إلي غياب الهوية الداخلية، ومحاولة البحث عن مرجعية مطلقة خارجية.
تعرّضت مبكر للإباحية (سن 10)، أدي إلي تشويش مبكر في الهوية، والضبط الذاتي، والعلاقة بالجسد، وهذا يزيد من الشعور بالذنب، والانقسام الداخلي.
الدخول المبكر في جدل إلحادي بدون أدوات منهجية، وبدون استقرار نفسي، أدى إلى صدمة معرفية، مع انهيار الإيمان التلقائي.
إدمان البحث مما جعله قهريًا Compulsive
وجود العزلة، فلا يوجد احتواء اجتماعي، فكل شيء يحدث داخل رأسك دون مناقشة الآخرين.
في النهاية أهم نقطة يجب أن تفهمها، أن المشكلة ليست في الإسلام أو الإلحاد أو صحة الأدلة لكن المشكلة في طريقة عقلك في التعامل مع الشك، فعقلك يعامل كل فكرة كأنها مسألة حياة أو موت يجب حلها الآن 100% وهذا بالضبط ما يصنع الوسواس.
عزيزي أنت لم تفقد الإيمان بل فقدت القدرة على الاطمئنان بسبب الوسواس.
التوصيات
الأنسب أن تعرض نفسك على طبيب نفساني بصورة عاجلة بهدف التقييم الشامل ووضع خطة علاجية واضحة بشقيها الدوائي والنفسي.
تمارين استرخاء مع الرياضة ومحاولة الاندماج في المجتمع بصورة تدريجية.
كتابة الأفكار مع محاولة ذكر ما معها وما ضدها.
تعلم مهارة إيقاف الأفكار.
وفقك الله وتابعنا
واقرأ أيضًا:
تساؤلات راشد صغير؟ أم وسواس العقيدة؟!
وسواس العقيدة: التعمق في الغيبيات!
وسواس العقيدة: الخلود في النار!
وسواس العقيدة، وسواس العبادات و.ذ.ت.ق
وسواس العقيدة، وسواس الكفرية وطلب الطمأنة!
وسواس العقيدة والكفرجنسية والعادة السرية!