إنحط: نزل وانحدر
الفِرية: الكذب
الانحطاط فكرة آثمة ترددت في كتاباتنا على مدى القرن العشرين ولا تزال، وهي مصطلح ربما مدسوس لإيهام الأمة بأنها منحطة: هابطة. والقراءة الموضوعية تشير إلى أن الأمة لم تمر بهذه المرحلة الموصوفة بها في مسيرتها منذ ما قبل الإسلام، وإنما تفاعلت مع عصورها وفقا لمقتضياتها وظروفها المتاحة.
أما القول بالانحطاط لأن القوة السياسية للأمة قد تغيرت، فهذا سلوك طبيعي يسري على كل الأمم، فلماذا لا يُقال على الإمبراطوريات التي انهارت بأنها منحطة؟ لماذا لا توصف ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بالمنحطة وكذلك إيطاليا؟ لماذا الانحطاط وصمة في جبين أمتنا لوحدها لا غيرها؟
لا أجد في هذا التوصيف إنصافا وصدقا، بل أنه مفردة عدوانية تفندها الموروثات والمدونات المتواصلة وبكميات هائلة تتفوق على مخزونات الأمم الأخرى. فلو قارنا مدونات أي فترة من فترات مسيرة الأمة مع غيرها لوجدناها تتفوق عليها بالنوعية والكمية، مما يشير إلى أن عقول الأمة كانت في نشاطات متواصلة ومتراكمة ومتفاعلة، وما توقفت عن الإبداع الأصيل في جميع المراحل، ومهما قست الظروف وتفاقم الدمار.
إن أدعياء الانحطاط والتداعي المرير، والذي بموجبه يجدون أجوبة جاهزة لتساؤلات "لماذا"، يغفلون الحقائق الدامغة الواضحة التي تبرهن على عدم صدقهم، ونهج التبعية للآخرين الذي يعبرون عنه في كتاباتهم المسطورة بمداد المغرضين.
يقولون إن الأمة انهارت بسقوط بغداد والقضاء على بيت الحكمة، ويغفلون أن بيت الحكمة كان أشبه بدار نشر وترجمة، وتوجد مكتبات أمثاله في حواضر الدولة العباسية، وهي تضم نسخا عديدة مما موجود في بيت الحكمة الذي انتهى دوره الحقيقي منذ خلافة المعتصم بالله.
كما أنهم يتجاهلون استمرار الخلافة العباسية ولو بشكلها الرمزي في مصر، حتى تسليم رايتها للعثمانيين..
أمّةُ الأنوارِ تحيا عِزّها
سَرمدياً في أعالي مَجدِها
لا تقلْ كانتْ وعاشتْ عَصرَنا
بانْحِطاطٍ مُستبيحٍ فِكرَها
أمّةٌ فيها رسالٌ خالدٌ
تَتحدّى كلَّ نهجٍ ضُدَّها
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
كيف يبقى الطيب؟!! / صنعة الشعر!!
