في السبعين من عمره تقريباً، قرّر ليو تولستوي أن يتعلّم ركوب الدراجة!
لم يكن محتاجاً لها، ولم يكن يحاول أن يستعيد مراهقة تأخرت، ولا كان يهرب من سؤالٍ وجودي جديد، وقد كان قد سأل كل الأسئلة المعلقة تقريباً!
كان ببساطة.. رجلاً لم يتقاعد من الشغف، ولم يُسلّم نفسه لفكرة أن التعلّم حكرٌ على من ما زالت ركبته تتحمّل القفز!
تولستوي، الذي أرهق العالم بـ«الحرب والسلم»، وأشعل ضمائرهم في «آنا كارنينا»، لم يكن بحاجة لإثبات جديد، لكنه اختار – بإصرار طفل ومزاج حكيم – أن يخوض مغامرة جديدة.. على عجلتين!
لا أحد كان ينتظر منه هذا الإنجاز، ومع ذلك، فإن فرحته – حسبما يُروى – فاقت كل ما حققته له الرواية من مجد وجوائز، إذ كان يُشبه في تلك اللحظة كل الذين تحدّوا أرشيفهم، ورفضوا أن يعيشوا وفق ما يتوقعه الآخرون منهم!
المفارقة أن ما صدم الناس لم يكن فعل التعلّم ذاته، بل توقيته، وكأن الشغف يرتدي ساعة بيولوجية، وكأن من تجاوز الستين لا يحق له أن «يتعثّر من جديد»، أو أن «يركض وراء فكرة لم تكن ضمن سلّم أولوياته»، لكن تولستوي، بلحيته البيضاء وعينيه المتعبتين، ركب دراجته كأنه يركب الحياة مرة أخرى!
رسالة تولستوي قد تكون شديدة الأهمية في زمننا، حيث شباب في الخامسة والعشرين يشتكون من «الملل المزمن»، ويفكرون في التقاعد العاطفي والذهني، لذلك يبدو مشهد تولستوي على الدراجة كأنّه صفعة ناعمة تتساءل من الماضي: من الذي تعب فعلاً: أنت.. أم شغفك؟
ليس هناك قانون يُجبرك أن تتعلّم بعد الجامعة، ولا عرف يُلزمك بالفضول بعد الوظيفة، لكنك حين تفعل ذلك برغبتك وحدك، فأنت تقول للعالم إنك ما زلتُ حيًا من الداخل، وإن ارتجفت يدك على المقود.
هل من الممكن أن تسقط ويضحك عليك المارة؟
نعم، لكن إن ضحكت – مثل تولستوي – ستكون ضحكتك إعلانًا صغيرًا بانتصار روحك على خوفك!
أما نحن، فما زلنا نخشى التعلّم لأنه «يحرجنا»، ويهدد صورة حافظي ماء الوجه من البلل.
لكل ما سبق دعني أقولها لك بمحبة:
ركب تولستوي دراجة.. فاركب أنت شيئاً يناسبك، ولا يشترط أن يكون بعجلتين، إذ يكفي فقط أن يكون جديداً، ومحرجاً، ويوقظ فيك فكرة نائمة!
أن تتعلّم شيئاً جديداً في عُمرٍ متأخّر لا يعني أنك تعاني مراهقة متأخرة، بل يعني ببساطة أنك قرّرت أن تعيش أكثر من مرة، فالكثيرون يمرّون بالحياة من دون أن يتوقفوا ليتعلّموا حتى تفاصيل أنفسهم، فكيف بأداة موسيقية، أو لغة جديدة، أو دراجة؟
الجميل أن التعلّم ليس امتيازاً للنابغين فقط، بل هو طوق نجاة من الركود، وانتصار صغير على البلادة التي تزحف إلينا من دون أن نشعر، وأن تبدأ تعلّم مهارة جديدة بعد الخمسين لا يجعلك استثنائياً، لكنه يثبت أنك لم تتحوّل بعد إلى تمثال روتينيّ يتحرك فقط لأنه اعتاد الحركةّ!
أحياناً لا نحتاج إلى أكثر من لحظة عفوية، وقرار خارج الجدول المحفوظ، أو خطوة لا يفهمها أحد سوانا!
لعلّ تولستوي، وهو يترنّح فوق دراجته، لم يكن يقصد أن يعلّمنا شيئاً، لكنه – من دون أن يدري – كتب بجسده درسه الأخير:
أن تبدأ.. ولو متأخراً، خيرٌ من أن تكتفي بالمشاهدة حتى النهاية!!!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
معجون الأسنان... بعد ثلاثين سنة زواج! / صناديق بشرية... لتحسين الهضم!
