إغلاق
 

Bookmark and Share

الحذاء الطائر، والبصقة العالمية، ومسؤولية الفرحة ::

الكاتب: أ.د يحيى الرخاوي
نشرت على الموقع بتاريخ: 11/02/2009


لا أستطيع أن أخفي فرحة مشاركة بهذا الحذاء الطائر، فرحة خالطتها فوراً غصة رافضة لهذه الفرحة، ثم لحق هذا وذاك تأمل حرج مؤلم. صدّق أو لا تصدق أنني لم أشاهد هذا المنظر على شاشات التليفزيون حتى الآن، ولعل عزوفي ذلك كان مقصوداً، حتى لا "أُجَرْجَرُ" إلى مشاركة في فرحة مشبوهة لست راضياً عنها، صحيح أني طلبت من بعضهم أن يرسل لي اللقطة إلكترونياً لأشاهدها متأنياً بطريقتي التي شاهدت بها أوباما راقصاً مع المذيعة الأمريكية وهي تصحبه إلى كرسي في لقاء تليفزيوني، وأنني التقطت من تلك اللمحة الراقصة لهذا النوبي الأمريكي الرشيق أكثر مما وصلني من كل تصريحاته، وكان يمكن أن ألتقط من وجه بوش أكثر من تعبيرات فردتيّ الحذاء وهما تتلاحقان باصقة عليه، هكذا سمحت لخيالي أن يصور المنظر، وسوف أكتفي بالتعليق الموجز على بعض لقطات من صحف اليوم الذي أكتب فيه هذه "اليومية":

الجمعة 19 الجاري، الرصين الرزين فهمي هويدي بدأ مقاله اليوم (وهو تكملة لمقال أمس) هكذا: "أصعب ما قرأت في التقارير الصحفية التي تابعت حدث قذف الرئيس بوش بالحذاء، أن جهات التحقيق شغلت بالبحث عن حالته النفسية والعقلية،..إلخ" شاركته رفضه تماماً؛ فكم نبهت إلى الإهانات والجهل والغباء وسوء الاستعمال التي تُتًَناول بها ما يشاع من معلومات متعلقة بتخصصي، من أول حادث بني مزار حتى مقتل نادين وهبة.

بالله عليكم: أيهما أحق بفحص قواه العقلية؟ القاذف أم المقذوف؟ بل إنني أرفض ابتداءً تبرير القتل والإبادة، أو حتى الخروج عن العرف والتقاليد، بلصق أسماء أو سمات أمراض مرضاي عليها، فأنا أحترم مرضاي وأعلم أنهم أرق وأنبل من قسوة هذا المقذوف المسخ البشع، قاتل الملايين من الأبرياء في ديارهم، وهو يزعم أنه يعلمهم ألف باء الكرامة والحرية، هذا الشاب الغاضب تقمص كل ناس الأرض في لحظة فارقة، فاض به فأرسل بصقة في صورة حذاء على هذا المتبلّد الذي أضحك العالم بغبائه القاتل ثماني سنوات ضحكاً أكثر إيلاماً من كل بكاء، ثم ها هو لا يخجل أن يعتذر –وهو يغادرنا– بنفس الغباء، وكأنه نادل يعتذر لزبون لسع لسانه بحساء ساخن.

ومع أنني فهمت غضب هويدي القاسي، إلا أنني توقفت عند قوله: "..ولا أخفي شعوراً بالقرف والرثاء إزاء الذين انتقدوا ما جرى..." ثم حدَّدَ ذلك: "... في العالمين العربي والإسلامي...إلخ"، الرثاء جائز، أما القرف يا أستاذ فهمي فهو غير جائز، ثم إن الفرحة لم تكن قاصرة على العالم العربي والإسلامي، أنا لم أميّز –مثلاً– فرحة إسلامية أو عربية في الصورة المنشورة بالوفد اليوم عن: ".. مظاهرة بالشموع أمام القنصلية الأمريكية في لاهور.." الصورة تتصدرها فتاتان جميلتان، تحملان صورة الزيدي بيد، وشموع جميلة أيضاً بالأخرى، توقفت عند مغزى الشموع، ووجهيّ وعيون الفتاتين الجميلتين، وتصورت أن هذا المنظر الرقيق هو ترجمة لموقف عالمي آمِل وراء الفرحة بمعنى هذا الحذاء الطائر، إنه تعبير عن الرفض الساخر لكل القتلة السفلة الأغبياء، جنباً إلى جنب مع التلويح بأمل واعد (الشموع) لإنارة الوعي البشري كله من خلال هذه الرسائل، العالم كله يعلن احتقاره لهذه السنوات الدموية التي قادها هذا الغبي المتبلّد، لكنه يضيء الشموع تحملها هذه الوجوه الجميلة، تعبير وصلني أبلغ ألف مرة من صورة "الوقفة بالأحذية للتضامن مع الصحفي العراقي أمام نقابة الصحفيين عندنا".
 
أختم هذا التعليق المؤقت مضطراً، بذكرى صورتين حذائيتين دالّتين: الأولى للرئيس خروشوف في الستينات وهو يلوح بحذائه ثم يضعه أمامه في اجتماع رسمي للأمم المتحدة، والثانية لعجوز مصري جميل كان بجواري حاجّاً في المزدلفة، حين خلع حذاءه بعد الانتهاء من قذف الجمرات، وراح يقذف إبليس، وهو يصيح غاضباً "خذ يا بن الـ ..." (كلمة لا تكتب)(طردت من مخيلتي قباقيب شجرة الدر، وحذاء أبو تحسين على تمثال صدام).

رجعت إلى فرحتي المكتومة بحادث الحذاء الرمز، باعتباره البصقة الغاضبة العالمية، فتأكدت أنها ليست "ابتكاراً عراقياً" كما قال أسامة عكاشة في "وفد" هذا الصباح، بل هي تعبير عن احتقار عالمي (وليس فقط عربياً أو إسلامياً)، يعلن موقف الناس -كل الناس- من هذا المسخ الغبي القاتل، ثم فهمت رفضي فرحتي وفرحة الناس أنه خوفاً من أن تكون هذه الفرحة هي تفريغ عاجز، لا أكثر!.

لا أحد يستطيع أن يكتم فرحته بهذا الرمز، ولكن لا يصح أبداً أن نفرح بفرحتنا إذا لم تدفعنا فوراً لنعمل ما يترجم هذه البصقة إلى فعل قادر على التغيير عندنا وعبر العالم.

اقرأ أيضا:
تعتعة سياسية: حاول ألا تفهم...! / تعتعة:الحلم والشعر والواقع والسياسة
 / تعتعة: فحتى المحاكاة ليسوا لها / تعتعة لطبيب النفسي، ومفهوم "الإنسان"1 /  تعتعة سياسية يا رب سترك / تعتعة سياسية تجاوز للعلم..ووشم للمرضى! / تعتعة نفسية هل توجد عواطف سلبية؟ / تعتعة نفسية: عندك فصام يعني إيه(2) / تعتعة نفسية عندك فصام يعني إيه؟ / تعتعة نفسية: أنا عندي إيه يا دكتور؟ / تعتعة نفسية العلاج بوصفة الأعراض(3) / تعتعة نفسية العلاج بوصفة الأعراض(2) / تعتعة نفسية العلاج بوصفة الأعراض(1) / تعتعة سياسية: الشعب المصري ملطشة / حركية الناس بين النت والشارع / تعتعة: التغابي حيث لا داعي للتحايل!  /  يا هنود العالم الحُمْر، اغضبوا أو انقرضوا..! / تعتعة سياسية حتى لو أجهضوها ألف عام!  / الدين العالمي الجديد! هيه..!وضحكت عليك!! / قبلات وأحضان، وحوار الأديان / صيد الأحاسيس، وذباب الكلمات في معرض الكتاب  / خليَط من الرأي والشعر: قوة النظام في ضعفه / أحب المؤرخين، ولا أثق في التاريخ / الشعور بالذنب في السياسة والحرب / سياسة دي يا يحيى؟!؟! / تخثُّر الوعي الوطني (والثقافة) / الحلول الذاتية: "نعمل إيه"؟ "نعمل جمعية"!! / من كلِّ صوبٍ وحدبْ، من كل دينٍ ودربْ / .. شم النسيم../ السياسة واللغة الشبابية والتراث الشعبي / السياسة ولغة الشارع: .. فى الهرْْدَبِيزْ (3 من 3) / السياسة ولغة الشارع: .. فى الهرْْدَبِيزْ (3 من 3) / "مؤامرة العولمة" و"عولمة المؤامرة" / برغم كل الجاري، مازال فينا: ".. شيءٌ مـَا" / لكنّ سيّد قومه المتغابي..!! / هل تنتحر البشريةُ "بغباءٍ انقراضي"؟! / أين الأزمة؟ صعوبة الأسئلة؟ أم نفاق الجميع؟ تعتعة سياسية: الامتحانات، وقيمة اسمها "العدل"! / تسويق "الإيمان" في "سوبر ماركت" العولمة!!!  / تعتعة سياسية: قصيدة اسمها: عبد الوهاب المسيري / بين دموع الشعب ونفاق الحكومة / تعتعة سياسية: تألّم: الصورة تطلع / العودة من المنفى: درويش، ذلك الشعر الآخر / تعتعة نفسية: الطبيب النفسي والفتوى الإعلامية / تعتعة نفسية: لا شكر على "تسويق" دواء جديد!! / تعتعة نفسية: المجنون لا يفعل مثل هذا!!! / تعتعة نفسية: كيف تعمل العقاقير النفسية (2) / الحق في الفرحة وسط المصائب، والأحزان!!

نشرت في الدستور بتاريخ 24-12-2008



الكاتب: أ.د يحيى الرخاوي
نشرت على الموقع بتاريخ: 11/02/2009