تأثير الفراشة- رحلة علاج
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا لبنة، عمري عشرون سنة، وأدرس الطب حاليًا، ومقبلة على سنتي الرابعة. عشت في إحدى الدول الخليجية حتى الثامنة عشرة من عمري، ثم انتقلت إلى بلدي الأصلي مع أخي لأكمل دراستي الجامعية.
أتمنى أن يكون لديكم من سعة الصدر ما يكفي لتحمّل جميع تفاصيل قصتي. بدايةً أود أن أقول إنني رأيت كتاب الدكتور علي في أحد معارض الكتب، وقررت شراءه لأن موضوع الطب النفسي جذبني. فإن أمكن، سأكون ممتنة جدًا إن استطاع الدكتور علي إسماعيل عبد الرحمن الإجابة عن استشارتي، وإن لم يمكن فلا بأس، فكلكم خير وبركة.
قررت أن أسمي هذه الاستشارة "تأثير الفراشة"، فلولا رؤيتي للكتاب بالصدفة وشراؤه، ثم اتخاذي قرار البحث عن موقع مجانين ظنًا مني أنه موقع وهمي، لما وصلت إلى هنا. أعطيكم استشارتي...
بدايةً، منذ آخر سنوات الدراسة في الثانوية، بدأت تصيبني أعراض من القلق؛ خفقان، وكثرة تفكير، خوف، إلخ. صارحت أمي بالموضوع فقالت إنني أحاول أن أجد عذرًا لكي لا أحصل على علامات عالية. هذا جعلني أنكمش وأتوتر أكثر، فأنا كنت مهتمة بالدراسة، بل أكثر من والديّ بكثير. كنت أدرس طوال الوقت بلا توقف لكي أدخل كلية أحلامي، وأبواي كانا ضد ذلك! وكانا يقولان لي إنني أدرس كثيرًا وعليّ أن أخدم في بيتي أكثر، من تنظيف وطبخ... (أمر مطلوب مني وليس من إخوتي).
المهم، بعد هذه الكلمة منها كتمت كل مخاوفي وتوتري، وحبسته داخلي حتى ابتعدت عنهم ودخلت كلية الطب بفضل الله، ولكن هنا بدأ الجد.
وصل التوتر والاكتئاب عندي إلى مراحل متقدمة؛ من حالات هلع وضيق نفس، وعدم قدرة على الخروج من التخت، لا لأكل ولا لشرب الماء لأيام. لم أقدر حتى على القيام من تختي لأغسل أسناني، ولا لأصلي، مع أنني لم أغب عن فرض من قبل. كنت أكره نفسي لأبعد المراحل، وكنت أفكر بالانتحار معظم الأيام، حتى مع يقيني أنه أمر محرم.
الأمر الوحيد الذي كان يقلل لي من قلقي فقط لأسمح لنفسي بالتفكير، هو قراءة الكتب الإباحية والعادة السرية. كانت كحالة هروب من الواقع، وطبعًا تعرفون شعور الكراهية والذنب الذي كنت أشعر به بعد القيام بذلك.
الغريب في الأمر أنني عندما كنت في أصعب مراحل الاكتئاب، كنت أصر على أن لا شيء بي، وأن المشكلة الحقيقية هي فعل العادة السرية وقراءة هذه الكتب أو مشاهدة هذه الفيديوهات، مع أنها لم تكن المشكلة بل العرض!
المهم، كنت أقرأ كتبًا تتضمن علاقات بين الذكور، وأتوقع أن ذلك كان يساعدني على فصل نفسي عن الموضوع. فبهذه الطريقة يقل شعور الذنب، لأنني أعزل نفسي عن الشخصيات ولا أتخيل نفسي مكان الأبطال (فأنا بنت). فهذه الكتب لم تكن إلا شيئًا أطفئ به تفكيري.
بعد إصراري على أن كل ما يحدث لي هو بسبب فسقي وتقصيري، وأنه عقاب من ربي، قررت أن أمنع نفسي من هذه الكتب في شهر رمضان. ولك أن تتخيل ما الذي حدث لي عندما أزحت الشيء الوحيد في حياتي الذي كان يجلب لي الراحة.
وصلت إلى مراحل من القلق والتوتر لم أعهدها من قبل، وصحيح أنني نجحت في الإقلاع عن الكتب والعادة طوال فترة رمضان (لبنة من المستقبل فخورة جدًا)، إلا أنني رجعت لهما بعد ذلك مباشرة.
فقررت، وليتني لم أقرر، أن أجرح نفسي كعقاب ولكي أخفف من شعور القلق. وفي أحد الأيام لا أعلم ماذا حدث، فقد استعملت نفس الأداة ولكن الجرح كان كبيرًا، واحتاج إلى تقطيب ومضادات حيوية. هنا كانت نقطة التحول في حياتي.
هنا أدركت أنني مريضة وأحتاج إلى مساعدة. تواصلت مع معالج نفسي وقلت له عن صعوبات في النوم عندي وفقدان الشهية، وأخبرني أن أذهب إلى طبيب نفسي. وذهبت بالفعل، وأعطوني Benzodiazepines لفترة أسبوعين وSSRI، تحديدًا Escitalopram، وأنا الآن عليه منذ سبعة أشهر.
بعد العلاج تغيرت حياتي. فأدركت أنني كنت مريضة ولست مهملة أو كسولة، وكان ذلك فارقًا كبيرًا في حياتي.
أنا الآن ألطف بكثير مع نفسي. ما زلت أعاني من صعوبات في حياتي، فهناك مشاكل كثيرة أعاني منها، ولدي كثير من أخطاء التفكير، ولكنني أحاول جاهدة.
استشارتي تكون:
١) بموضوع الكتب التي تحتوي على الإباحية والشذوذ، فأنا أستعملها من أجل حاجة نفسية، ومع الدواء تحسنت كثيرًا وقل اعتمادي عليها، ولكن حتى بعد سبعة أشهر من الدواء ما زلت لا أستطيع تركها تمامًا. فكيف؟ أستصعب الحديث مع دكتوري والمعالج النفسي بالموضوع بأريحية.
٢) الصلاة، فلم أتمكن من العودة إليها كما أريد. تناقشت مع دكتوري بالموضوع، وأخبرني أنني أنظر إلى الصلاة بمنظور التأنيب والخوف، فأنا كان لدي كثير من المخاوف بخصوص الصلاة في فترة اكتئابي، وكنت ألقب نفسي بالمنافقة لعدم قدرتي على الصلاة. أخبرني المعالج النفسي أن أفعل الأمر رويدًا رويدًا، ولكن كيف لي أن أحفظ القرآن وأدعو الناس وأنا أقطع في الصلاة؟
أعرف أنكم تحدثتم عن موضوع العادة السرية باستمرار، ولكن قصتي معقدة. فأولًا، عندما حاولت الإقلاع عن العادة السرية والكتب، كان شوقي تجاه الكتب! فأنا لا يهمني إن توقفت عن العادة، فهي ليست ملجئي!
أتمنى أن تخفوا بريدي الإلكتروني،
ودمتم بخير.
13/6/2026
رد المستشار
أهلا وسهلا بك على مجانين وسعيد جدا بقراءتك أحد كتبي وأنها كانت سببا في خروجك من النفق الذي كنت فيه، وأرجو أن أكون عونا لك، فقصتك عبارة عن معاناة نفسية طويلة، ولا يمكن تقزيمها في أنها مشكلة إباحية أو ضعفًا دينيًا، فالكتب الإباحية لم تكن هي المشكلة، بل كانت العرض.
فمن خلال سردك يبدو أنك شخصية مجتهدة وطموحة وذات معايير عالية جدًا، وتعرضت لضغوط أكاديمية طويلة منذ المرحلة الثانوية، وبيئة أسرية لم تستوعب معاناتك النفسية في بدايتها مع شعور مستمر بالمسؤولية والواجب، ونزعة قوية إلى جلد الذات وتأنيب النفس، مع أعراض واضحة لاضطراب القلق والاكتئاب، وظهور أفكار انتحارية وسلوك إيذاء الذات، واستخدام القراءة الإباحية والعادة السرية كوسيلة لتنظيم المشاعر وليس كهدف جنسي، لذلك فإن فهم الحالة من زاوية كيف أتخلص من الكتب الإباحية؟ فقط قد يكون اختزالًا شديدًا للمشكلة.
العوامل التي ساعدت على ظهور المشكلة
1. الضغوط الأكاديمية والكمالية، فلقد وضعت على نفسك عبئًا هائلًا من الدراسة لساعات طويلة، وربطت قيمتك الشخصية بالنجاح، مع الخوف من الفشل والسعي الدائم للكمال، وهذه السمات جعلتك أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، حيث أصبح مخك في حالة استنفار دائم (يجب أن أنجح، يجب أن أكون مثالية، لا يحق لي التقصير).
2. عدم وجود الاحتواء الانفعالي المبكر، فعندما حاولت التعبير عن قلقك للأسرة قوبلت برسالة (أنت تبالغين أو تبحثين عن عذر)، وهذا النوع من الاستجابات قد دفعك إلى كبت مشاعرك، وعدم طلب المساعدة منهم، والشك في معاناتك النفسية، فتعلمت أن تتألمين في صمت.
3. الانتقال من بلد إلى آخر، فالانتقال في عمر صغير من بيئة إلي آخري يتضمن فقدان البيئة المألوفة، وتغيير في علاقاتك الاجتماعية مع ضغوط الاستقلال في سن صغير ومتطلبات كلية الطب الكثيرة، وهذه كلها عوامل ضاغطة عليك وخاصة مع غياب الدعم الأسري .
4. النظرة الأخلاقية الصارمة للذات، حيث يبدو أن لديك ضميرًا حيًا وحسًا دينيًا مرتفعًا، فخلال مرحلة الاكتئاب تحول ذلك إلى لوم دائم للنفس وتفسير المرض كعقاب إلهي، واعتبار الأعراض دليلا علي فساد أخلاقي، فأصبحت محاصرًة بين المرض والذنب.
طبيبة المستقبل، من المهم التمييز بين الدافع الجنسي والتنظيم الانفعالي، فالوظيفة الأساسية للكتب عندك كانت للهروب من المشاعر المؤلمة كالقلق والوحدة والضغط والفراغ، حيث كانت الكتب توفر لك انشغالًا ذهنيًا وانفصالًا مؤقتًا عن الواقع وتخفيفًا للتوتر، فكأنها بديلا عن ألعاب الفيديو أو مشاهدة المسلسلات مثلا، والفرق أن المحتوى كان جنسيًا.
لماذا كنت تفضلين قصص العلاقات بين الذكور؟ أنت نفسك قدمت تفسيرًا للأمر (كنت أفصل نفسي عن الشخصيات) أي أن المحتوى كان يحقق لك الإثارة الذهنية، والهروب من الواقع، مع تقليل التورط الشخصي، ولا يعني ذلك وجود ميول مثلية، أو رغبة فعلية في تلك العلاقات، فالخيال الجنسي والميول الواقعية ليسا الشيء نفسه.
لماذا فشلت محاولات الإقلاع الأولى؟ لأنك حاولت إزالة العرض دون علاج السبب من خلال منع الكتب، ومنع العادة، وزيادة اللوم. لكن استمر القلق والاكتئاب وبالتالي عدت مرة أخرى للهروب. وبالتالي يمكننا تفسير جرح نفسك كمحاولة لتنظيم مشاعرك من خلال الألم (بديل الكتب) ولم يكن محاولة انتحار جدية، لأن الألم الجسدي يعطي تفريغًا مؤقتًا وشعورًا بالسيطرة وتشتيتًا للألم النفسي. ولهذا كانت حادثة الجرح نقطة تحول مهمة دفعتك لطلب العلاج، واستخدام Escitalopram أدي إلي انخفاض القلق، وتحسن المزاج وزادت معه مساحة الرحمة تجاه الذات وقل الاعتماد على الكتب. وهذا يدعم بقوة فكرة أن المشكلة الأساسية كانت اضطرابًا نفسيًا، لا فسادًا أخلاقيًا.
كما أنك أصبحت تربطين الصلاة بالخوف والفشل والذنب والمحاسبة القاسية، لذلك فكلما أردت الصلاة استيقظت منظومة النقد الذاتي. ولهذا كان المعالج محقًا عندما نصحك بالتدرج. فالصلاة هنا تحتاج إلى إعادة بناء علاقتها النفسية بك .
الخلاصة
تبدو المشكلة مزيجًا من اضطراب قلق مع نوبة اكتئابية شديدة وسمات شخصية تتسم بالكمالية العالية والميل إلي جلد الذات مع وجود ضغوط أكاديمية وانتقالية ونقص في الاحتواء العاطفي سواء دائم أو في بداية المعاناة، وكانت الكتب الإباحية والعادة السرية وجرح الذات وسائل للهروب وتنظيم المشاعر، وقل الاعتماد عليها مع تحسن الاكتئاب والقلق بالعلاج. كما أن لديك ثلاثة عوامل حماية قوية جدًا وهي البصيرة النفسية، وطلب المساعدة المهنية، والاستجابة الجيدة للعلاج. وهذه مؤشرات جيدة على إمكانية استمرار التعافي بإذن الله.
التوصيات
1. الاستمرار في المتابعة النفسية الدوائية والنفسية، ولابد من استمرار جلسات العلاج النفسي المنتظم لتعديل الأفكار اللا عقلانية وتعلم مهارات التعامل مع الضغوط والصراعات وتنظيم العلاقات والمشاعر وكلها لن يحسنها العلاج الدوائي وحده.
2. الحديث بصراحة مع الطبيب والمعالج، فالمعالج لا يحتاج معرفة التفاصيل الجنسية الدقيقة بقدر ما يحتاج معرفة متى تلجأين للقراءة؟، وما المشاعر التي تسبقها؟، ماذا تحقق لك القراءة على المستويات المختلفة؟
3. مراقبة المحفزات، عليك تسجيل متى تقرأين؟ وماذا كنت تشعرين قبلها؟، وهو ما مستوى القلق قبل وبعد القراءة؟، هل كنت وحيدة مثلا أو قابلت أحد أو...... إلخ؟، فغالبًا ستظهر أنماط واضحة يعمل عليها المعالج للتحكم في هذه المحفزات.
4. بناء بدائل إيجابية لتنظيم المشاعر مثل الرياضة كالمشي، والكتابة التعبيرية، والتواصل الاجتماعي، وممارسة تمارين الاسترخاء أو/ مع الهوايات الممتعة. ليس بهدف المنع فقط، بل لتوفير مصادر راحة بديلة.
5. علاج الكمالية وجلد الذات (الرسائل الداخلية) مثل يجب أن أكون مثالية، يجب ألا أخطئ، يجب أن أنجح دائمًا، يجب أن أكون متدينة بلا تقصير. فهذه المعايير القاسية تستنزف النفس.
وتابعينا
واقرئي أيضًا:
علاج الإباحية والطب النفسي والاعتقاد
نقاب فعباءة فبنطلون!! إحترس من حواء