تجاوز علاقة سامة ظالمة
لقد كنت في علاقة استمرت نحو أربع سنوات؛ سنتين كنا فيهما صديقين مقربين جداً، وسنتين ارتباطاً. ولكن إن كنت صادقاً مع نفسي، فأنا متأكد من داخلي أن ما كان بيننا لم يكن حباً حقيقياً بقدر ما كان تعلقاً مرعباً. كنا شخصاً واحداً؛ الماضي نفسه، عُقد الطفولة نفسها، الشخصية والاهتمامات نفسها. استعجلنا وأسميناه حباً لمجرد أننا نرتاح في وجود بعضنا، لكن الحقيقة أننا كنا بحاجة إلى عمل كثير جداً على أنفسنا لنبني علاقة صحية.
ورغم ذلك، فإن التفاهم الذي كان بيننا كان مخيفاً؛ لم نكن نتشاجر تقريباً، كنا نفهم احتياجات بعضنا دون أن نتحدث، وإذا احتاج أحدنا إلى مساحته الخاصة، يفهم الآخر ذلك. حتى الغضب كنا نعبر عنه بمنتهى الصراحة، ولكن كانت هناك مشكلة واحدة ومستفزة: أنا كنت واعياً جداً بطبيعة شخصيتينا وبأنماطنا غير الصحية، وعندما كنت أخطئ كنت أعتذر. هي لا؛ لم تعتذر قط، ولم تقل يوماً "أنا آسفة". كنت أتغاضى عن الأمر وأقول لنفسي إن المهم هو أنها فهمت خطأها، ولكن في الحقيقة كان هذا مؤشراً لأمور كثيرة.
في آخر ستة أشهر من العلاقة، وفجأة وبدون مبرر، تحولت إلى شخص سام جداً. لم أكن أطيق تصرفاتها ولكنني قررت البقاء ودعمها. وفي غمرة وقوفي إلى جانبها، قررت هي فجأة أن نفترق! حاولت أن أفهم، وحاولت أن أحارب من أجل العلاقة، إلى أن اكتشفت أنها خانتني. بعد أن افترقنا، ذلك الشخص الذي ذهبت إليه لم تستمر معه أسبوعين على بعضهما، وبدأت تحاول العودة إلي بكل الطرق. الحقيقة؟ كنت أحاول من داخلي أن أسامحها، لكنني لم أستطع.
كلما كانت تخلق حديثاً لنتكلم، كنت أكتشف أن ليس لديها ذرة تعاطف معي، ولا تشعر بالكسرة التي تركتها في داخلي عندما اختفت فجأة وذهبت لغيري بعدما كانت أكثر شخص يفهمني في الدنيا. الكارثة أنها حتى وهي تحاول العودة إلي... لم تعتذر! لم تطلب السماح، بل على العكس، كانت تحاول لومي أنا على أشياء لم أفعلها. هذا ما جعلني أثبت على قراري وأغلق هذه الصفحة للأبد.
الآن مرت نحو ثلاث سنوات، لكن المشكلة فيّ أنا؛ طبيعة بشرية غبية تجعلني من وقت لآخر أدخل لأراقبها وأتفقد أخبارها. هي الآن شخص ناجح، تعيش حياتها، وحتى لو لم تكن تفعل أكثر شيء تحبه، إلا أنها في مكانة ناجحة. في المقابل، أنا لم أصل بعد إلى النجاح الذي أريده. الموضوع ليس غيرة ولا حقداً، الموضوع هو إحساس قاسي بالظلم؛ كيف للشخص السيء في القصة أن يعيش مرتاحاً وناجحاً؟
أكثر ما يوجعني وأكرهه في نفسي الآن، أنني أضبط نفسي أحياناً وأكتشف أنني أريد النجاح لمجرد أن أثبت لها شيئاً، أريد النجاح لأبهرها أو لأجعلها تندم، وأنا لا أريد هذا!
أنا أريد أن أعيش لنفسي، لكنني أشعر بأنني واقع في فخ لا أعرف كيف أخرج منه. إنه إحساس مزعج، يستنزف طاقتي، ويجعلني تائهاً ولا أعرف كيف أتجاوز هذه المرحلة حقاً.
29/5/2026
رد المستشار
عزيزي المهندس الباحث عن الأمل والألم معا، أهلا وسهلا بك، ونأمل أن نكون عونا لك، فقصتك ليست مجرد قصة خيانة أو انفصال، بل قصة تعلق عميق، وجرح نفسي، وصراع شخصي بعد فقدان العلاقة.
من وصفك، يبدو أن العلاقة بدأت بالاندماج النفسي حيث لم يكن الرابط بينكما مبنيًا فقط على الحب، بل على تشابه كبير في الخلفيات النفسية مع جروح طفولة متشابهة واهتمامات وقيم متقاربة مع قدرة عالية على فهم بعضكما، وهذا النوع من العلاقات يعطي شعورًا استثنائيًا (وجدت أخيرًا شخصًا يفهمني بالكامل)، لكن أحيانًا ما يُفسَّر على أنه حب ناضج بينما كان في الواقع تعلّقًا عميقًا واندماجًا نفسيًا وشعورًا بالأمان الناتج عن التشابه. فالحب الصحي يحتاج إضافة إلى التفاهم المسؤولية والنضج العاطفي والقدرة على الاعتذار وتحمل للمساءلة، وهذه النقطة كانت مفقودة عند الطرف الآخر.
ولو نظرنا إليك سنجد لديك عدة سمات واضحة منها الوعي النفسي المرتفع، فأنت تميل إلى تحليل المشاعر وفهم الأنماط النفسية ومراجعة الذات، ولهذا كنت تعتذر عند الخطأ. ويبدو لي أن لديك ميل إلي تحمل المسؤولية الزائدة، حيث يبدو أنك تحملت أعباء العلاقة أكثر من اللازم، فكنت تقول (المهم أنها فهمت خطأها)، بينما الحقيقة أن الفهم ليس بديلاً عن الاعتذار. كما يبدو أن لديك ميل للإنقاذ، فعندما أصبحت العلاقة سامة قررت أن تبقى وتدعمها بدلاً من الانسحاب، وهذه إشارة لابد أن تضعها في الاعتبار، فبعض الأشخاص يشعرون بقيمتهم عندما يساعدون ويصلحون وينقذون، فيبقون في علاقات مؤذية لمدة طويلة.
ونأتي إلي الطرف الآخر، حيث سنجد مؤشرات أهمها غياب ثقافة الاعتذار، مما قد يشير إلى هشاشة في تقدير الذات، أو وجود حيل دفاعية عالية، أو صعوبة في تحمل الخطأ مع خوف من الشعور بالذنب. فكأنها لا شعوريًا تقول (إذا اعتذرت فأنا سيئة ) فتقاوم الاعتذار بشدة.
ولو تطرقنا إلي الخيانة التي حدثت فهي تبدو أقرب إلى هروب وسلوك اندفاعي ومحاولة لتنظيم مشاعرها بطريقة غير ناضجة، فكثير من الخيانات تحدث لأن الشخص غير قادر على مواجهة مشكلاته الداخلية.
ونأتي لنمط التعلق لديك، فالأقرب أنه نمط التعلق القلق-الحامي Anxious-Leaning Secure فأنت قادر على التواصل وعلى الاعتذار وعلى فهم المشاعر، لكن عند التهديد بالفقد تتمسك وتحارب لإنقاذ العلاقة ويصعب عليك الانسحاب، فأنت شخص لديه أساس آمن مع بعض سمات القلق.
بينما الطرف الآخر فالأقرب من وصفك أن لديها نمط التعلق التجنبي الخائف Fearful Avoidant حيث يوجد (قرب شديد في البداية واندماج عالٍ ثم انسحاب مفاجئ وصعوبة في الاعتذار مع لوم الآخرين ومحاولة العودة بعد الابتعاد). وهو نمط شائع جدًا في العلاقات المتقلبة.
لماذا ما زلت تراقبها بعد ثلاث سنوات؟
هنا نصل إلى جوهر المشكلة، فأنت لا تراقبها لأنك تحبها، بل لأن عقلك ما زال يبحث عن إجابة لسؤال لم يُحل (كيف حدث هذا؟)، ثم تطور إلى (أين العدالة؟) ثم إلى (لماذا يبدو أنها بخير وأنا ما زلت أتألم؟)، وهذه ليست مراقبة حبيب بل مراقبة مجروح.
لماذا يؤلمك نجاحها؟ لأنه يمثل في داخلك معادلة غير واعية (إذا نجحت فهي إذن لم تدفع ثمن ما فعلته)، ولذلك يشعر جزء منك أن الكون لم يكن عادلاً عزيزي
واقرأ أيضًا:
بعد إنهاء العلاقة: ينتظرُ النسيان!
انتهت العلاقة وما هي إلا تجارب!
علاقة سامة أليمة لكن جاءت سليمة!
العلاقة السامة جاذبة لكن لا تستقر!!
كيف أتجاوز الشعور بالظلم؟