إغلاق
 

Bookmark and Share

متواطئــون!!! ::

الكاتب: أ.د يحيى الرخاوي
نشرت على الموقع بتاريخ: 15/04/2009


تعتعة سياسية: متواطئــون!!!


...الهول، الهلع، الأشلاء، الموت، الدمار، البطولات، الاستشهاد، القوة، الخسة، النذالة: كلها معاً لا تريد أن تتركني برغم أنني لا أراها رأي العين. الدماء تغمر وعيي حتى أعلى الصدر وتكاد تزحف نحو مداخل أنفاسي، صيحات الأطفال وولولة الأمهات الثكالى يتشكل بها كل صوت يصلني، ولو كان بوق سيارة، أو أزيز فتح باب قريب، أو خشخشة صوت مصعد قديم.

بلغ بي الحال أن أتصور أن أي إلهاء عن فعل يمكن أن يحول دون الجاري هو فـُـرجة لا أكثر، الألم الساحق إن لم يدفع إلى فعل قادر يمكن أن ينقلب إلى مازوخية استمنائية قبيحة، كل المساعدات والأصوات والتبرعات والابتهالات والدموع كلها محترمة ومشكورة ورائعة، لكنها في نهاية النهاية قد تكون إجهاضاً لفعل أكبر وأهم، فعل يمكن أن نتفجر به إلى ما ينبغي. الخوف أن نكتفِي بتلك الأعمال الطيبة والنوايا الحسنة تنفيساً وتسكيناً، بمعنى أن تلك الأعمال الطيبة يمكن أن تجهض الغضب فالثورة، وأي إجهاض للغضب فالثورة هو تأجيل آخر، ودليل على أننا لم نتعلم من الهدنة، والتهدئة، والوعود، والكذب، والتدليس طوال واحد وستين سنة! إن أي فعل، أو امتناع عن فعل، يساهم في استمرار هذا الوضع، هو تواطؤ.

من لا يتحمل مسؤوليته فهو متواطئ، ما العمل؟
دع جانباً حكومات الكبار الذين لا نكف عن استعطافهم والاستنقاذ بهم وهم يخذلوننا سراً وعلانية، دع أوباما -الذي فرحنا بفوزه!!- وهو لا يعلق على موقف بلده من قرار مجلس الأمن، ثم وهو يصوت في الكونجرس مع 290 عضواً (مقابل خمسة) على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس..إلخ!! ودع ساركوزي يصرح أن حماس تصرفت بشكل لا يغتفر، ودع ممثل الاتحاد الأوروبي يصرح أن ما تفعله إسرائيل هو حق دفاعي مشروع، ودع ميركل تنصح وتفتي وتحذر، وهي تحمّل حماس مسؤولية الدم الجاري، حتى أرسل لها منتقدوها على النت فنجاناً مليئاً بدم الأطفال، لن أذكر أن عليك أيضاً أن تدع تعبيرات وجوه الملوك والرؤساء والمسؤولين العرب، منهم لله، لأنك تدعها من تلقاء نفسك.

ثم إنك لا يمكن إلا أن تحترم جهود النفسيين وهم يتطوعون لتخفيف الآلام إثر الصدمات خاصة لدى الأطفال، وأن تعجب ببراعة الجراحين يلحقون أو لا يلحقون ما تطاير من أشلاء، على ألا تتوقف ذاهلاً وأنت تسمع أصوات عربات الإسعاف تخترق جدر الأنين المكتوم والصرخات الملتهبة وهي تعايرنا أننا ما زلنا أحياء، وأيضاً لك أن تجزع كما تشاء من منظر الأمهات يحتضنّ بقايا أطفالهن وهن ينتحبن، و...، و...، و... و... كما أنه من حقك أن تفرح بكل هذا الاحتجاج المظاهراتي، والهتافات المحرِّضة، ولكن لا تأمل فيها أكثر من قدراتها.

دع كل هذا جانباً دون أن تنساه، ودون أن تتقطع ألماً وهو لا يتركك تدعه، ودون أن تُفرّج عن غضبك بتعليق مغيظ أو تفسير دامع، دع كل ذلك واحترم ما لم تستطع أن تشارك فيه إيجابياً، فكل من شارك بأي شيء بأية طريقة، بأي قرش، بأي دواء، هو أفضل ألف مرة من مائة متفرج نعـّاب.

دع كل ذلك وتعال نبحث عن مسؤوليتك الأكبر، مسؤوليتي أنا، في هذه اللحظة تحديداً، "هنا والآن"، نحن الجلوس على مقاعدنا الآن نفسر، وننظـّـر، ونحكم، ونجزع، وقد نكتب شعراً، أو نرسم لوحة، أو ننتظر استلام جائزة!! وقد تضبط نفسك فخوراً برقة مشاعرك وأنت تذرف الدموع، وقد ينفجر الغضب منك إلى الهواء الطلق، قبل وبعد وأثناء اشتراكك في مظاهرة احتجاجية رائعة، هيا ننظر سوياً بعد أن صنفنا كل من على الساحة إلى "مسؤول"، أو"جبان" أو "خائن" أو "صامد" أو "بطل"، أو "شهيد" أو "متواطئ"، ننظر ماذا "نفعل
 
إذا لم تنتبه، ننتبه، أنتبه، بعد واحد وستين عاماً (1948-2009) إلى أن كل ألفاظ "التهدئة"، و"الهدنة"، و"فض الاشتباك"، و"وقف إطلاق النار"، ولتسوية المؤقتة"، و"خريطة الطريق"، و"النكسة"، و"السلام"، كل هذه الألفاظ تكشفت عن مناورات مشبوهة قذرة، إذا لم ننتبه إلى ذلك، وأن ارتباطنا بها بهذا العمى، هو مسؤول عما يجري، فالأرجح أنك متواطئ دون أن تدري، وأنا مثلك.

انكشفت قواعد اللعبة مثل طلوع الشمس: إما حرب لا تتوقف أبداً أبداً حتى النصر، وإلا فهي الهزيمة الشجاعة بكل ثقلها وخزيها ومسؤولياتها، الهزيمة غير المؤجلة التي لا تحتاج إلى أسماء تدليل جديدة، وهي هي باعثة الألم الخلاق، فالقرارات الصعبة، فتسريح الجيوش النظامية، فتغيير الحكام، ليتحول الشعب المهزوم كله إلى جيش المعركة القادمة فالنصر الحتمي.
إما القبول بهزيمة مثل ألمانيا أو اليابان، أو بنصر مثل فيتنام... وإلا، فالكل متواطئ.
أرجو أن تلهمكم هذه الأفكار بأفكار أخرى، ولكن لا تطيلوا التفكير... بل اعملوا الآن.

اقرأ أيضا:
تعتعة سياسية: حاول ألا تفهم...! / تعتعة:الحلم والشعر والواقع والسياسة
 / تعتعة: فحتى المحاكاة ليسوا لها / تعتعة لطبيب النفسي، ومفهوم "الإنسان"1 /  تعتعة سياسية يا رب سترك / تعتعة سياسية تجاوز للعلم..ووشم للمرضى! / تعتعة نفسية هل توجد عواطف سلبية؟ / تعتعة نفسية: عندك فصام يعني إيه(2) / تعتعة نفسية عندك فصام يعني إيه؟ / تعتعة نفسية: أنا عندي إيه يا دكتور؟ / تعتعة نفسية العلاج بوصفة الأعراض(3) / تعتعة نفسية العلاج بوصفة الأعراض(2) / تعتعة نفسية العلاج بوصفة الأعراض(1) / تعتعة سياسية: الشعب المصري ملطشة / حركية الناس بين النت والشارع / تعتعة: التغابي حيث لا داعي للتحايل!  /  يا هنود العالم الحُمْر، اغضبوا أو انقرضوا..! / تعتعة سياسية حتى لو أجهضوها ألف عام! / الدين العالمي الجديد! هيه..!وضحكت عليك!! / قبلات وأحضان، وحوار الأديان / صيد الأحاسيس، وذباب الكلمات في معرض الكتاب / خليَط من الرأي والشعر: قوة النظام في ضعفه / أحب المؤرخين، ولا أثق في التاريخ / الشعور بالذنب في السياسة والحرب / سياسة دي يا يحيى؟!؟! / تخثُّر الوعي الوطني (والثقافة) / الحلول الذاتية: "نعمل إيه"؟ "نعمل جمعية"!! / من كلِّ صوبٍ وحدبْ، من كل دينٍ ودربْ / .. شم النسيم../ السياسة واللغة الشبابية والتراث الشعبي/ السياسة ولغة الشارع: .. فى الهرْْدَبِيزْ (3 من 3) / السياسة ولغة الشارع: .. فى الهرْْدَبِيزْ (3 من 3) / "مؤامرة العولمة" و"عولمة المؤامرة" / برغم كل الجاري، مازال فينا: ".. شيءٌ مـَا" / لكنّ سيّد قومه المتغابي..!! / هل تنتحر البشريةُ "بغباءٍ انقراضي"؟! / أين الأزمة؟ صعوبة الأسئلة؟ أم نفاق الجميع؟ تعتعة سياسية: الامتحانات، وقيمة اسمها "العدل"! / تسويق "الإيمان" في "سوبر ماركت" العولمة!!! / تعتعة سياسية: قصيدة اسمها: عبد الوهاب المسيري / بين دموع الشعب ونفاق الحكومة / تعتعة سياسية: تألّم: الصورة تطلع / العودة من المنفى: درويش، ذلك الشعر الآخر / تعتعة نفسية: الطبيب النفسي والفتوى الإعلامية / تعتعة نفسية: لا شكر على "تسويق" دواء جديد!! / تعتعة نفسية: المجنون لا يفعل مثل هذا!!! / تعتعة نفسية: كيف تعمل العقاقير النفسية (2) / الحق في الفرحة وسط المصائب، والأحزان!! / الزمن والتاريخ، ومعنى ما هو: أوباما / غزة، والبشرُ خلايا المخ العالمي الجديد!! / دعوة إلى: الوعي بما تملك (2/أ) / الحذاء الطائر، والبصقة العالمية، ومسؤولية الفرحة / نجيب محفوظ: بداية بلا نهاية

نشرت في الدستور بتاريخ 14-1-2009



الكاتب: أ.د يحيى الرخاوي
نشرت على الموقع بتاريخ: 15/04/2009