في السبعين من عمره تقريباً، قرّر ليو تولستوي أن يتعلّم ركوب الدراجة! لم يكن محتاجاً لها، ولم يكن يحاول أن يستعيد مراهقة تأخرت، ولا كان يهرب من سؤالٍ وجودي جديد، وقد كان قد سأل كل الأسئلة المعلقة تقريباً! كان ببساطة.. رجلاً لم يتقاعد من الشغف، ولم يُسلّم نفسه لفكرة أن التعلّم حكرٌ على من ما زالت ركبته تتحمّل القفز! تولستوي، الذي أرهق العالم بـ«الحرب والسلم»، وأشعل ضمائرهم في «آنا كارنينا»، لم يكن بحاجة لإثبات جديد، لكنه اختار – بإصرار طفل ومزاج حكيم – أن يخوض اقرأ المزيد
غيهب: ظُلمة، ضعيف، غافل أجيال تسحق أجيالا، ومَن توسد التراب حفه النسيان، وعاش في غيهب، لا يذكره ولا يراه أحد، والمجتمعات كالنهر الجاري، أمواجه اللاحقة لا تتذكر أمواجه السابقة، وكل مَن عليها فان، ورحى الأرض الدوّارة تطحن الموجودات وتحيلها إلى عناصرها الأولية، فأبجديات الخلق المطلق مدونة في الجدول الدوري لديمتري مندلييف (1834 - 1907). كل مخلوق يغيب ويذوب في الثرى، ويتحول إلى رميم بعد حين، وقد تبقى بعض عظامه، ويفقد أثره ودالته بعد أن تطحنه ماكنة الأرض الدوّارة، التي تأكل بقدر ما تعطي، وتطعم خلقها لتأكله، وهي الفاعل فيهم، وما فوق ال اقرأ المزيد
نحن البشر مولعون بالتصنيف، إنها عادة قديمة تمنحنا شعورًا زائفًا بالسيطرة، وتساعدنا على التعامل مع الحياة المعقدة من دون جهدٍ حقيقي، إذ ما إن نلتقي شخصًا جديدًا حتى نلتقط أول ما يميّزه: مظهره، لغته، ديانته، لهجته، ملابسه، ثم نقرر – من دون وعي – في أي خانة نضعه، وكأننا نرتب الفوضى في أدراج ذهنية، فهذا يشبهنا، وذاك لا يشبهنا، وهذا مريح، وذاك يثير القلق! التصنيف هو محاولة لفهم ما لا نفهمه، لكنه غالبًا ما يتحول إلى اختزال مؤذٍ، حينما نأخذ بعدًا واحدًا من شخصية إنسان ونبني عليه حكمًا كاملاً، متجاهلين عمق تجربته، وتفاصيله اقرأ المزيد
الخيمة ذات العمود الواحد يمكن إسقاطها بسهولة، وكلما ازدادت أعمدتها تعذر إسقاطها. بعض المجتمعات تعلمت من الوقائع التي دارت في ربوعها وحولها، وأسست أنظمة حكم ذات أعمدة متعددة تحافظ على خيمة وجودها وتعزز بقائها، وقدرتها للتسلط على شعوبها، هكذا أنظمة متعددة الأعمدة من الصعب إسقاطها أو تغيير أساليب حكمها، لأنها ترسخت وازدادت أعمدتها قوة وضخامةُ، فأصبحت قادرة على تحمل أقوى الأعاصير وأشد التيارات. إن التحدث عن سهولة اقتلاع خيمة ذات أعمدة متعددة ومتنوعة، نوع من السفسطة الخالية من رصيد واقعي مبين، اقرأ المزيد
محمد إقبال شاعر مفكر فيلسوف يمثل جوهر الإسلام في قصائده التي ألهمت الأجيال، وأوقدت الأنوار في العقول والنفوس والأرواح، وأسست لوجود دولة مستقلة هي الباكستان، ودافع عن حقوق المسلمين في كل مكان. ولد محمد إقبال شاعر شبه القارة الهندية، في (8\11\1877) بإقليم البنجاب، وتوفى في (31\4\1938)، فنعته رموز عصره أمثال نهرو، ومحمد علي جناح، وقد ترجمت أشعاره وكتاباته إلى العديد من اللغات، وله نشاطات فكرية وسياسية مؤثرة في صناعة حياة القارة الهندية. تعرفتُ عليه منذ الصبا عندما استمعتُ لأم كلثوم وهي تشدو بقصيدة (حديث الروح)، التي مطلعها: "حديث الروح للأرواح يسري... وتدركه القلوب بلا عناء هتفت به اقرأ المزيد
لا يبدو فيلم «برشامة» مجرد عمل كوميدي اجتماعي عن الغش في الامتحانات، بل يقدم دراسة نفسية قاسية لمجتمع يعاني اختلالاً عميقاً في منظومته القيمية والمعرفية. فالفيلم يضع المشاهد داخل قاعة امتحانات تكاد تتحول إلى نموذج مصغر وخانق للوطن كله، حيث تتصارع القيم، ويتراجع الضمير، وتصبح الغاية أهم من الوسيلة، بينما يتحول الغش من سلوك فردي منحرف إلى ثقافة جماعية كاملة. أخطر ما يكشفه الفيلم هو التشوه المعرفي لدى أبطاله؛ فالغش لم يعد يُنظر إليه باعتباره خطأ أخلاقياً، بل باعتباره «شطارة» أو «ضرورة اجتماعية». هنا تتجلى إحدى أخطر الأزمات النفسية: إعادة تعريف الخطأ حتى يبدو طبيعياً ومقبولاً. الطالب لا يشعر بالذنب لأنه مقتنع أن الجميع يفعل الشيء نفسه اقرأ المزيد
الأنانية سلوك يتميز بالنرجسية الفاقعة، وهي تغليب مصلحة الذات على مصلحة الآخرين، دون الاكتراث لحقوقهم ومشاعرهم، وفيها تركيز مفرط على الأنا، وصعوبة التعاطف، وقراراتها تخدم الذات ولا يعنيها ما يصيب الآخرين بسببها. الأنانية إعصار يصيب البشر ويجعله مدفونا في خندق نفسه المولعة بالسوء والشرور، فالأناني يمثل إرادة النفس الأمارة بالسوء، المهيمنة على وجوده والمترجمة لسماته الغريبة المتعجرفة (التكبر واحتقار الآخرين). وتتجسد الأنانية في الأشخاص الذين يمتلكون قدرا ما من السلطة، فتجدهم يتصرفون بما يخدم اقرأ المزيد
يحب البشر أن يضعوا تواريخ نهائية لكل شيء، فهناك «الفرصة الأخيرة»، و«اللحظة الحاسمة»، و«المنعطف المصيري»، وغيرها، نختار هذه التسميات الفخمة لسبب بسيط؛ هو أن الفخامة تجعل الخسارة أكثر قبولًا، وتمنحنا عذرًا مريحًا لنبرر لأنفسنا لماذا توقفنا عن المحاولة بعدها! نقول إن «الفرصة فاتتنا» لأنها أخفّ على النفس من أن نعترف بأننا كنا مترددين، أو غير جاهزين، أو لعلنا لم ننتبه أصلًا لوجودها، ونفضّل أن نلقي مسؤولية الفشل على الحظ أو الظروف، لأن هذا يجعل القصة أجمل، وأكثر شاعرية، وأقل عبئًا على الضمير وتأثيرا على العقل! إلا أن الحياة لا تتبع منطقًا سينمائيًا، وليست مباراة تنتهي بعد هدف واحد، ف اقرأ المزيد
النانو: جزء من مليار جزء من المتر. تقنية النانو عالم صغير جدا بحجم الأفكار المطلقة الحجوم. يمكن استخدامه في الطب والصناعة والطاقة والتحسين البيئة وعيرها من المجالات التي تنفع البشرية، لكنه كغيره من المبتكرات لابد لها أن تكون عنصرا مهما في الحروب، كالديناميت والطائرة فكل مخترع عبارة عن سيف ذي حدين. تقنيات النانوتكنولوجي نشاطات سرية تقوم بها أمريكا والصين وروسيا والهند وحتى إيران وباقي الدول التي تتكتم على هذه الدراسات والنشاطات والأبحاث. تطبيقات النانوتكنولوجي مرعبة وذات تدميرية شاملة للأهداف التي تتوجه نحوها، وهي غير مرئية ويصعب تتبع مصادرها، لدقتها وتناهي حجمها، وعدم رؤيتها، فالعالم يتجه بنانويته إلى ميادين القا اقرأ المزيد
عادةً ما يعتقد الناس أن العلاقات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تكون فيها المسافات قصيرة والمساحات مشتركة، وأن القرب يعني بالضرورة اندماجًا كاملاً مع الآخر، ولكن الواقع ليس دائمًا بهذه البساطة، فليس كل اقترابٍ صحيًا، وليس كل ابتعادٍ جفاء، وما بين القرب الخانق والتباعد البارد، ثمة مسافةٌ وسط يصعب على كثيرين تحديد إحداثياتها بدقة، إنها تلك المسافة الآمنة التي تحميك وتحمي الطرف الآخر من أخطاء التفاصيل الصغيرة، ومن الاحتكاكات اليومية التي تستهلك العلاقة ببطء. في علاقاتنا الإنسانية، نميل بطبيعتنا إلى إلغاء الحدود سريعًا. نظن أن الألفة تعني أن تصبح شريكًا في كل شيء، من الأفكار، إلى المشاعر، مروراً بجميع التفاصيل اليومية المملة، ولكننا نتجاهل حقيقة أن القرب الزائد حاله حال الإضاءة الزائدة، اقرأ المزيد



